أبو علي سينا
217
القانون في الطب ( طبع بيروت )
ويجب أن لا يأكل السمين من الناس كما يخرج من الحمام بل يصبر وينام نومة خفيفة ، والأصلح لهم الوجبة ، ولا ينبغي أن ينام على طعام طاف ، وليحترز كل التحرّز عن الحركة العنيفة على الطعام فينفذ قبل الهضم ، أو ينزلق بلا هضم ، أو يفسد مزاجه بالخضخضة ولا يشرب عليه ماء كثيراً يفرق بينه وبين المعدة ويطفئه ، بل يتربص بالشرب مدة نزوله عن المعدة ، وليستدل عليه بخفة أعالي البطن ، فإن أحوج العطش فليمص شيئاً يسيراً من الماء البارد مصاً . وكلما كان أبرد أقنع اليسير منه أكثر ، وهذا القدر يبسط المعدة ويجمعها . وبالجملة إن شرب على الطعام بعد الفراغ منه لا في خلله مقدار ما ينتفع فيه الطعام جاز . والمصابرة على العطش والنوم عليه نافع للمبرودين المرطوبين ، ضار للمحرورين الممرورين ، وكذلك الصبر على الجوع . ويعرض للممرورين من الصبر على الجوع أن تنصت المرار إلى معدهم ، فإذا تناولوا شيئاً فسد طعامهم فعرض لهم في النوم واليقظة ما ذكرناه مما يعرض لمن فسد طعامه . ويعرض أيضاً أن تفسد شهوة الطعام ، فحينئذ يجب أن يشرب ما يحذر ذلك ويلين الطبيعة مما هو خفيف غير مغير مثل الإجاص أو شيء يسير من الشيرخشت ، فإذا عادت الشهوة أكل . على أن مرطوبي الأبدان بالرطوبة الطبيعية مهيئون لسرعة التحلل ، فلا يصبرون على الجوع صبر يابسي الأبدان ، إلا أن يكونوا مملوئين من رطوبات غير التي هي في جوهر أعضائهم إذا كانت جيدة موافقة قابلة لأن تحيلها الطبيعة إلى الغذاء التام بالفعل . والشراب على الطعام من أضر الأشياء لأنه سريع الهضم والنفوذ فينفذ الطعام ولم ينهضم فيورث السدد والعفونة والجرب في بعض الأحايين . والحلاوات تسرع إيراث السدد لجذب الطبيعة لها قبل الهضم . والسدد توقع في أمراض كثيرة ، منها الاستسقاء وغلظ الهواء والماء لا سيما في الصيف مما يفسد الطعام ، فلا بأس أن يُشرب عليه قدح ممزوج ، أو ماء حار طبخ فيه عود ومصطكى . ومن كانت أحَشاؤه حارة قوية فإذا تناول طعاماً غليظاً ، فكثيراً ما يعرض أن يصير طعامه رياحاً ممدة للمعدة ونواحيها ، والعلة المراقبة من ذلك . وخالي المعدة إذا تناول لطيفاً سلمت عليه معدته ، فإن تناول بعده غليظاً نفرت عنه المعدة ولم تهضمه فيفسد ، اللهم إلا أن يجعل بينهما مهلة . والأولى في مثل هذه المحال أن يقدم الغليظ قليلًا قليلًا ، فإن المعدة حينئذ لا تجبن عن اللطيفط ، وإذا أفرط الأكل في التملي أو خضخض ما في المعدة حركة ، أو شوشه شرب ، فليبادر إلى القيء ، فإن فات أو تعذر القيء شرب الماء الحار قليلًا قليلًا ، فإنه يحدر الامتلاء ويجلب النعاس فليلق نفسه وينام كما شاء . فإن لم يغن ذلك أو لم يتيسر تأمل فإن كفت الطبيعة المؤنة بالدفع فيها فنعمت ، وإلا أعانها مما يطلق بالرفق . أما المحرور فبمثل الإطريفل ، والخلنجين المسفل مخلوطاً بشيء من الصعتر المربى . وأما المبرود فبمثل الكموني والشهربازاني والتمري المذكور في القراباذين . ولأن يمتلئ البدن من الشراب خير من أن يمتلئ من الطعام .